فخر الدين الرازي

502

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

انحبط من ثواب طاعته المتقدمة على فسقه سلمنا دلالة الخبر على قولكم لكنه معارض بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » ذكره مع همزة الاستفهام على سبيل الإنكار . وروى الحسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي » واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده ، ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة وإن سائر الأخبار دالة على سقوط كل هذه التأويلات . الثاني : روى أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء اللّه من مات من أمتي لا يشرك باللّه شيئاً » رواه مسلم في الصحيح والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته صلى اللّه عليه وسلم تنال كل من مات من أمته لا يشرك باللّه شيئاً وصاحب الكبيرة كذلك ، فوجب أن تناله الشفاعة . والثالث : عن أبي هريرة قال : « أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك ؟ قالوا : لا يا رسول اللّه ، قال : يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه ؟ ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلا من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك اللّه بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا ؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته . نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى / نوح . فيأتون نوحاً فيقولون : يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وسماك اللّه عبداً شكوراً ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقولون : أنت إبراهيم نبي اللّه وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم إبراهيم : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، وذكر كذباته ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى موسى ، فيأتون موسى ويقولون : يا موسى أنت رسول اللّه ، فضلك اللّه برسالاته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم موسى : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى بن مريم ، فيأتون عيسى فيقولون : أنت رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله ، ولم يذكر له ذنباً ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد . فيأتوني فيقولون : يا محمد أنت رسول اللّه وخاتم النبيين وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ فأنطلق واستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً ، فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول لي : يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي تبارك وتعالى وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني ، ثم يقول : أرفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً فيدعني ما